يناقش كتاب للدكتور مصطفى نوارج كيف تؤثر الثقافة والعادة والثقة في قرار الشراء داخل الأسواق العربية.
في كثير من الشركات، يبدأ التكييف التسويقي من اللغة وينتهي عندها. تُترجم الحملة من الإنجليزية إلى العربية، وتُبدّل الصور والوجوه والعبارات، ثم يُفترض أن الرسالة أصبحت مناسبة للسوق المحلي. لكن التجربة العملية في المنطقة تشير إلى أن اللغة المشتركة لا تعني بالضرورة ذهنية شرائية واحدة، وأن الحملة التي تنجح في سوق عربي قد لا تحقق الأثر نفسه في سوق آخر، حتى لو تحدثت إلى الجمهور بالعربية.
من هذه الفكرة ينطلق كتاب Marketing to Arab Minds (P2/4): 200+ Advertising Campaigns Showing How Arabs Think للدكتور مصطفى نوارج، وهو الجزء الثاني من سلسلة Escaping; The MMM (Modern Marketing Mindset). يطرح الكتاب سؤالًا مباشرًا أمام المسوقين وأصحاب العلامات التجارية: هل يكفي أن نصل إلى العميل، أم أن التحدي الحقيقي هو فهم ما الذي يدفعه إلى الثقة والتجربة والشراء ثم التكرار؟
وتقول د. أمل عبد العظيم مدرس التسويق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: “نجاح العلامة التجارية في سوق جديد لا يعتمد على ترجمة الرسالة التسويقية فقط، بل على قدرة الشركة على فهم السياق الثقافي والنفسي الذي يؤطر قرار الشراء. الكتب التي تتناول هذا الجانب تسد فجوة حقيقية في المحتوى التسويقي العربي”.
يميز الكتاب بين مستويين في فهم المستهلك العربي: المستوى الأول هو فهم الدوافع العامة التي تحرك الشراء في هذه الأسواق، كالثقة والخوف من المخاطرة والانتماء الاجتماعي والتوصية من المقربين. أما المستوى الثاني فهو فهم السياق المحدد لكل سوق، إذ يختلف سلوك المستهلك بحسب البلد والفئة العمرية والقطاع، ما يعني أن على العلامات التجارية أن تتعامل مع المنطقة العربية بوصفها أسواقًا متعددة تجمعها لغة واحدة، لا سوقًا واحدة متجانسة.
ويصف الكتاب ظاهرة “الثقة الموروثة” التي تجعل العميل يُفضّل اسمًا تجاريًا تعرّف إليه في طفولته أو سمع عنه من أشخاص يثق بهم، حتى لو ظهرت بدائل أحدث وأكثر فاعلية. فالتبديل هنا ليس مجرد قرار عقلاني بين خيارين، بل هو تجاوز لمنطقة أمان نفسية بناها المستهلك عبر الزمن.
وعلى الجانب الآخر، هناك ما يسميه الكتاب بـ”الثقة المكتسبة”، وهي الثقة التي تبنيها العلامة التجارية تدريجيًا من خلال التجربة المتكررة والتوصية الاجتماعية والحضور المستمر في اللحظات المناسبة. إن الشركة التي تفهم متى يحتاج العميل إليها، وفي أي سياق، وما الذي يجعل العرض مقنعًا في تلك اللحظة بالذات، تملك ميزة تنافسية تتجاوز مجرد وجود منتج أفضل أو سعر أرخص.
يشير عنوان الكتاب إلى تحليل أكثر من 200 حملة إعلانية، وهو ما يمنحه طابعًا تطبيقيًا يتجاوز الشرح النظري. فالحملات الناجحة لا تُقرأ فقط بوصفها نماذج للإبداع، بل بوصفها حالات يمكن تفكيكها: ما الشريحة التي خاطبتها؟ ما المشكلة التي عالجتها؟ ما الوعد الذي قدمته؟ وما السياق الذي جعل هذا الوعد مقنعًا؟
الحملة التي تراهن على المكانة الاجتماعية، على سبيل المثال، قد تنجح عندما يشعر العميل بأن المنتج يعبر عن طموحه أو مكانته. وحملة أخرى تركز على العائلة قد تجد صدى أكبر عندما يكون قرار الشراء جماعيًا أو عندما تكون الثقة مرتبطة بتوصية الأسرة. وفي منتجات الصحة أو العقار أو التعليم، قد تصبح المخاطرة والخوف من القرار الخاطئ أقوى من المقارنة المباشرة بين السعر والمواصفات.
هذا النوع من التفكير يدفع المسوق إلى تجاوز السؤال التقليدي: “كيف نجعل الإعلان أجمل؟” نحو سؤال أعمق: “ما الذي يجعل هذه الرسالة قابلة للتصديق بالنسبة إلى هذه الشريحة تحديدًا؟”
مع ذلك، يفتح عنوان الكتاب نقاشًا ضروريًا حول خطورة التعميم. فلا توجد شخصية شرائية واحدة يمكن أن تمثل كل الأسواق العربية، ولا يمكن لمئتي حملة أن تستوعب كل التنوع الموجود في قرارات الشراء اليومية. والكتاب نفسه يُدرك ذلك، إذ يضع التنوع والسياق في صلب تفكيره، لكنه يظل بحاجة إلى قارئ ينقل ما يقرأه إلى واقعه المحدد.
يتناول الكتاب كذلك فكرة أن النجاح لا يتوقف عند الشراء الأول. فبعض المنتجات تحقق تجربة أولى قوية، لكنها لا تتحول إلى استخدام متكرر. وهنا يظهر مفهوم “مناسبة الاستخدام”: متى يحتاج العميل إلى المنتج؟ وفي أي موقف؟ وما الذي يجعله يتذكره تلقائيًا؟
«من يملك مناسبة الاستخدام يملك التكرار، ومن يملك التكرار يصنع العادة الشرائية. العلامة لا تكسب عندما يشتري العميل مرة واحدة، بل عندما تصبح جزءًا طبيعيًا من لحظة متكررة في حياته».
هذه الفكرة تنقل التفكير من إقناع العميل بالشراء إلى تصميم أسباب واقعية للعودة. فالمنتج الذي يرتبط بوقت محدد أو موقف يومي أو مشكلة متكررة يكون أكثر قدرة على بناء الاستخدام، بشرط أن يقدم قيمة حقيقية وتجربة مستقرة.
في سوق مزدحمة بالمحتوى والمنصات والإعلانات، أصبح الوصول أسهل من السابق، لكن كسب الاهتمام والثقة والتكرار أصعب. لذلك، قد لا يكون السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة هو: “كم شخصًا وصل إليه الإعلان؟” بل: “ماذا فهمنا فعلًا عن الأشخاص الذين وصل إليهم؟”
ربما لا يقدم الكتاب إجابة نهائية عن كيفية تفكير كل المستهلكين العرب، لكنه يطرح سؤالًا ضروريًا على الشركات: هل نبني قراراتنا على افتراضات جاهزة عن الجمهور، أم نبدأ في اكتشاف دوافعه في الواقع؟
المصدر: روز اليوسف | 24 يونيو 2026
الرابط: اقرأ المقال كاملاً